ابو القاسم عبد الكريم القشيري
272
لطائف الإشارات
وجرّدهم عن حولهم وقوّتهم ، وكان النائب عنهم في جميع تصرفاتهم وحالاتهم ، وحفظ عليهم آداب الشرع ، وألبسهم صدار الاختيار في أوان أداء التكليف ، وأخذهم عنهم باستهلاكهم في شهوده ، واستغراقهم في وجوده . . . فأىّ سبيل للشيطان إليهم ؟ وأي يد للعدو عليهم ؟ ومن أشهده الحقّ حقائق التوحيد ، ورأى العالم مصرّفا في قبضة التقدير ، ولم يكن نهبا للأغيار . . . فمنى يكون للّعين عليه تسلط ، وفي معناه قالوا : جحودى فيك تقديس * وعقلي فيك تهويس فمن آدم إلّاك * ومن في البيت إبليس « 1 » قوله جل ذكره : [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 43 إلى 44 ] وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ( 43 ) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ( 44 ) اجتمعوا اليوم في أصل الضلالة ، ثم الكفر ملل مختلفة ، ثم يجتمعون غدا في العقوبة وهم زمر مختلفون ، لكلّ دركة من دركات جهنم قوم مخصّون . قوله جل ذكره : [ سورة الحجر ( 15 ) : آية 45 ] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 45 ) المتقى من وقّاه اللّه بفضله لا من اتّقى بتكلّفه ، بل إنه ما اتقى بتكلفه إلّا بعد أن وقّاه الحقّ - سبحانه - بفضله . هم اليوم في جنات ولها درجات بعضها أرفع من بعض ، كما أنهم غدا في جنّات ولها درجات بعضها فوق بعض . اليوم لقوم درجة حلاوة الخدمة وتوفيق الطاعة ، ولقوم درجة البسط والراحة ، ولآخرين درجة الرجاء والرغبة ، ولآخرين درجة الأنس والقربة ، قد علم كلّ أناس مشربهم ولزم كلّ قوم مذهبهم . قوله جل ذكره : [ سورة الحجر ( 15 ) : آية 46 ] ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ ( 46 ) .
--> ( 1 ) هذان البيتان للحلاج ( الطواسين ص 43 ) والديوان المقطعة رقم 28 ومعناهما : أنني لو سجدت لغيرك - حسبما أمرتني - فأنا جاحد ، ولكن - نظرا لمعرفتي بك - فإن جحودى عين تقديسى ، لأننى أعلم أنه لا يستحق السجود على الحقيقة إلا أنت ، فأنا راض باحتمال لعنتك ثمنا لعدم امتثالى لإرادتك .